من هو العميد محمد ابراهيم الشهير ب ود ابراهيم قائد الانقلاب العسكري الفاشل ضد الرئيس السوداني عمر حسن البشير

صورة العميد محمد إبراهيم الشهير بـ ود إبراهيم
العميد محمد ابراهيم الشهير ب ' ود ابراهيم ' احد ابرز الاسماء التي تم اعتقالها في المحاولة التخريبية التي اعلنت عنها الحكومة السودانية قبل ايام , لم يكن معروفا للشارع السوداني مثل مدير المخابرات السوداني الاسبق الفريق صلاح قوش و اللواء عادل الطيب اللذين تم اعتقالهما ايضا في المحاولة , ولكنه في اوساط الاسلاميين ودوائر النفوذ له صوت مرتفع , فالرجل ربما بدات معرفته تخرج للعلن بشكل كبير خلال قيادته لمعركة تحرير منطقة هجليج وطرد الجيش الشعبي منها , ومن قبلها لقيادته لمعركة تحرير الكرمك .

المعلومات بسيطة عنه فهو من مواليد العام 1964 منطقة العبيدية شمال بربر بولاية نهر النيل وينتمي الي قبيلة الجعليين , التي ينتمي اليها الرئيس السوداني عمر حسن البشير , وانضم للقوات المسلحة السودانية في عام 1984 وتدرج فيها حتي وصل الي رتبة عميد , وكان آخر المهام الخارجية له هي شغله وظيفة ملحق عسكري للسودان بنيروبي لمدة اربعة اعوام , حيث اشرف من هناك علي علمية اخراج الرئيس الصومالي شريف شيخ احمد ورتب له الاقامة في نيروبي , حيث استضافه في الاسابيع الاولي بمنزله , قبلها كان مسئول امن رئاسة الجمهورية ومن ابرز المهام التي اضطلع بها هي قيادته لكتيبة خاصة انتدبت من الامم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية الي الكونغو الديمقراطية , حيث تولت حماية وتامين الرئيس جوزيف كابيلا الابن بعد مقتل و الده , ونال شهادة تقدير من بعثة الامم المتحدة علي دوره فيها.

خدم ود ابراهيم بجنوب السودان فترة الحرب مدة اثني عشر عاما , ويتردد انه كان من اقرب المقربين من الرئيس البشير وعمل معه بصورة لصيقة جدا كمسئول امنه الخاص لمدة تصل الي سبع سنوات , ومنحته الدولة وسام الشجاعة من الطبقة الاولي وفاء علي عمليات بطولية خلال تامين انتاج وتصدير البترول في عام 2001 بعد انتصار الجيش السوداني في منطقة غرب النوير و التي خدم فيها ايضا قرابة الاربعة سنوات , وهو يعتبر شخصا محبوبا جدا وسط مجموعات الشباب و المجاهدين داخل الحزب الحاكم , وله صيت زائع وسط ضباط الجيش , ويؤكد كل من خدم معه او التقي به انضباطه العالي و التزامه الخلقي الشديد كذلك وطنيته المرتفعة , مما جعل الكثيرين يتشككون في اتهامه بمحاولة تخريبية او التخطيط لاغتيالات مما بدي غريبا علي المراقبين فهمه.

العميد محمد ابراهيم , كان مرشحا في التعديل الوزاري الاخير لوزارة حساسة كالداخلية في سبتمبر من عام 2011 , فما هي الظروف و المعطيات التي جعلت اسمه يشار الي بالبنط الاحمر العريض في صحف الخرطوم خاصة انه من خلفية عسكرية وان كان لا يحمل رتبة رفيعة فبلا شك الجيش السوداني الآن به رتب كبيرة كفريق وعشرات من رتبة لواء وربما مئات من رتبة العميد , فلماذا هذا الترشيح وقتها ولماذا هذا الشخص وفي هذه الفترة؟ __ بعض المراقبين و الدبلوماسيين الاجانب يشيرون الي ان الاوضاع في الخرطوم بعد تفجر الاحداث في جنوب كردفان اعادت القبضة العسكرية للنظام الحاكم في الخرطوم وبدا الوجه المدني للحكومة يتواري او بطريقة مخففة انها رجحت كفة الصقور في المؤتمر الوطني الحاكم , واتضح ذلك جليا في الطريقة التي تعامل بها البشير بعد عودته من الصين وقتها مع قيادات بالحزب التي وقعت اتفاق اديس ابابا مع الحركة الشعبية قطاع الشمال , حيث رفض الاتفاق الذي وقعه الدكتور نافع علي نافع و الذي عرف ب ' نيفاشا 2 ' واطلق البشير يد الجيش ليكمل تحرير جنوب كردفان من الغدر كما وصفه , واشار كتاب قريبون جدا من مركز صنع القرار في الخرطوم الي ان هناك ضباطا ثائرين داخل الجيش , و المحوا الي حدوث انقلاب عسكري وقتها , وارجعت بعض المصادر ترشيح العميد محمد ابراهيم عبد الجليل وزيرا للداخلية في هذا التوقيت الي اعطاء اشارات كثيرة منها ان الرجل في مرحلة الشباب وكان القائد لهم في ميدان القتال لاكثر من اثني عشر عاما , وان اختيار رتبة عميد لقيادة وزارة سيادية بحجم الداخلية في ظل وجود جنرالات كبار داخل الجيش يعطي ايضا مؤشرات فسرتها هذه المصادر بان الرئيس البشير قد اعلنها بان من سيخلفه سوف يكون شابا ومن المؤسسة العسكرية , لانها صمام الامان للبلاد كما وصفها البشير.

ولفت مراقبون الي انه ليس شرطا ان يكون خليفة الرئيس برتبة عميد , وان البشير عندما جاء الي الحكم كان يحمل ذات الرتبة ' عميد ' , وان خمسة من رفاق البشير من اعضاء مجلس الثورة قد تولوا وزارة الداخلية وهم بذات الرتبة ' الزبير محمد صالح , فيصل مدني ابو صالح , بكري حسن صالح , عبد الرحيم محمد حسين , الهادي عبد الله ' , ودارت التكهنات وقتها هل يريد البشير من العميد محمد ابراهيم عبد الجليل ان يتدرج ويصبح نائبه ثم يخلفه في رئاسة السودان القادم؟ , وهل هو يمثل الضباط الثائرين داخل الجيش؟ , وهل جرت ترضيات ومساومات للحيلولة دون وقوع الانقلاب الذي تحدث عنه بعض الكتاب وقتها؟ __ وباعتقال ود ابراهيم يعود التساؤل مرة اخري هل كانت تكهنات الامس حول الرجل صحيحة؟ هل حدث خلاف بين الجانبين واراد ود ابراهيم انقلابا بدلا من تغيير ناعم؟ ام ان ما سبق لا يخرج من باب التكهنات؟ , سؤال ربما يري النور في مقبل الايام.

توجهنا الي منزله ربما نعرف عنه شيئا اكثر , وصلنا منطقة المزاد بضاحية بحري بالخرطوم لنجد بيتا متواضعا كعامة البيوت في السودان السراير في ' الحوش ' تملا المكان , دخلنا الي غرفة الاستقبال المخصصة للسيدات لتستقبلنا زوجته سهير هاشم بكل ترحاب رغم سحائب القلق التي تتبدي علي وجهها ولا تخطئها العين , مع ان المنزل كان مزدحما ويعج بالزائرين وكانه علي وشك الاعداد لمناسبة كبيرة , فعشرات من ابناء الاهل واصدقاء الضابط المحتجز الذين اتوا يؤازرون الاسرة و التخفيف عليها محنتها , وحال جلسنا لفت نظري صورتان لود ابراهيم يتوسطان الجدار احدهما وهو يتوسط مجموعة من الضباط و الاخري مع وزير الدفاع السوداني السابق بكري حسن صالح.

تحدثت مع شريكته الحزينة عن زوجها و التي قالت لي ' محمد ده زول ذو خلق وملتزم ولا يفكر في الاغتيالات او التخريب ويحب النظام و الانضباط في كل شيء , حتي في البيت ومع الاولاد و الاهل يريد ان يكون كل شيء بالمواعيد و النظام , وهو يحب البلد حبا شديدا يحب السودان ومستعدا ان يقدم روحه ويضحي باي شيء من اجل السودان ' .

سالت زوجة ود ابراهيم عن ليلته الاخيرة في المنزل قبل اقتياده الي محبسه فقالت ' كنا في عزاء مساء الاربعاء الماضي ورجعنا البيت التاسعة مساء , وكان محمد مشغولا بتحضير نفسه لان عنده امتحان اليوم التالي الخميس في اكاديمية نميري العليا , جاء من يخبره بان هناك ضابطا ينتظره في غرفة الاستقبال ويريده لامر عاجل , عرفنا لاحقا انه دفعته ويسمي بحر , الذي اخطره بانهم يطلبونه في القيادة العامة لامر ضروري وعاجل , ولم تمضي دقائق معدودة الا وكان المنزل مليئا باعداد كبيرة من الضباط و العساكر اقتحموا علينا الدار , قاموا باستجواب كل الشباب الموجودين بالمنزل و الذين غالبهم من اهلنا وابناء قريتنا المقيمين في الخرطوم طلاب او مرضي او صاحب حاجة جاء ليقضيها , قاموا باخذ التليفونات المحمولة واجهزة اللاب توب الموجودة في البيت كلها , ثم ارجعوها لنا مرة اخري بعد تفتيش كل المنزل ' .

وتضيف زوجة ود ابراهيم قائلة ' منذ تلك اللحظة غاب محمد ولا ندري عنه شيئا , ولكن حوالي الساعة الثانية عشر ليلا جاء اتصال هاتفي وعلمنا انه يطلب مني غيار ملابس فقط , وجاء من يحملها له ' , مشيرة الي ان هناك اثنين من اصدقائه تم اعتقالهم ايضا وهم يشتغلون بالتجارة وليس لهم علاقة بالجيش وهما مصطفي نور الدايم وخالد محمد مصطفي في الثالثة صباح الخميس الماضي , ووصفت سهير زوجها بانه شخص زاهد في الحياة ولا يفكر كثيرا في متاع الدنيا بما في ذلك المناصب العامة او السياسية وكان يتضايق عندما تنشر اخبار بالصحف انه مرشح لتولي وزارة او ولاية او سفارة او غيرها , واضافت انه قدم استقالته من قبل من القوات المسلحة وكان يفكر في العودة الي القرية وفلاحة الارض التي تمتلكها اسرته هناك.

التقينا ايضا بابناء ود ابراهيم وهم عمر 20 سنة الطالب بكلية الاقتصاد , بجامعة الرباط الوطني وهو شاب فارع الطول اسمر اللون فيه كثير من ملامح و الده البادية في الصور مع مسحه حزن عابر تغطي وجهه , وكذلك جاء لمصافحتنا ابنه الآخر ياسر 16 سنة الذي يدرس بجامعة بحري وهو اقل قامة من شقيقه الاكبر وان كان في وجهه قليل من الكدر ربما لقربه الشديد من و الده , لكن الملامح و التقاطيع التي علي الوجه هي ذاتها عن الاثنين وان كان علي فارق السن وتشتت الروح بسبب غياب عاهل الاسرة , وكان ملاحظا لنا ابنته الصغري الوحيدة هبة التي تبلغ من العمر 8 سنوات و التي تبدو جليا مثل بوصلة فاقدة الاتجاه وذلك لتعلقها بوالدها.

ياسر كان منشغلا معنا عن تفاصيل و الده , واتي لي بصور عديدة له , كان ياسر فخورا بوالده وما قدمه , معتبرا اياه قدوته طوال حياته , اما الزوجة سهير , و التي بدت بسيطة متواضعة واصلت معي الحديث عن فراق الزوج بمرارة وسالتها الم يغيب عنكم من قبل فقالت علي الفور ' محمد دائما غائب عنا حتي وهو حاضر بيننا , فهو كثير السفر وفي الماضي كان حينما يغيب لانه يذهب للحرب و القتال فكنا نتوقع حدوث اي شيء له وربما تاخذ غيبته سنوات , وفي احدي المرات انا سافرت اليه في جوبا واقمت بها فترة في ايام الحرب عام 1997 , لكن غيبته هذه المرة طعمها مختلف مختلف ' , ثم رفعت بصرها الي السماء ودعت الله ان يرده سالما لبيته واولاده بسرعة وان يكتب له ولاخوانه السلامة.

والدة ود ابراهيم رحبت بنا هي الاخري مع مجموعة كبيرة من بنات العائلة وطلبن مني ان اقول علي السنتهن ان ود ابراهيم شخص محبوب من اهله ومعروف عنه التزامه بالحق و القانون وليس التخريب و الاغتيالات من افكاره , و البشير نفسه زاره في هذه الدار من قبل وهو يعرف هذا وقد كان ياتمنه علي حياته لسنوات , وتمنوا خروجه من ازمته سالما , ذكرت لي سهير ان زوجها له 7 اخوة 4 بنات و3 اولاد , وعن ذكرياتها مع احداث هجليج قالت سهير , ان القيادة استدعته فجر احد الايام بعد احتلال هجليج من قبل الجيش الشعبي بجنوب السودان وكان حينها مريضا للغاية وغادر وجيبه ممتلئ بصناديق العقاقير الطبية التي وصفها له الاطباء , وخرج ولم يعد الا بعد 16 يوما حرر فيها هجليج , واكدت ان ود ابراهيم شخص حازم في العمل حنون جدا في البيت , وانه كتوم للغاية ولا يتحدث عن شيء من عمله في الدار فنحن لا نعرف شيئا عما يفعله في العمل , ودعنا اهل البيت بحميمية شاكرين الزيارة مؤكدين انه لم يزرهم صحفي منذ اعتقال محمد , ووعدناهم بالعودة لزيارتهم حال عودة ود ابراهيم الي بيته.

ليست هناك تعليقات :